وهبة الزحيلي

235

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قبله ، فإن فيها أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر ، ولكي يزداد إيمان المؤمنين وتصديقهم حين يرون موافقة أهل الكتاب لهم ، ويشهدون صدق إخبار نبيهم محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم أكد اللّه تعالى ذلك بنفي الشبهة والشك ، فقال : وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ أي ولا يشك أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمؤمنون باللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في صحة وحقيقة هذا العدد ، وفي دين اللّه . والمراد بذلك في الواقع التعريض بالمتشككين المنافقين . وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أي وليقول المنافقون الذي في قلوبهم شك وريب في صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والكافرون من أهل مكة وغيرهم : أي شيء أراد اللّه بهذا العدد المستغرب استغراب المثل ؟ وما الحكمة في ذكر هذا هنا ؟ ومرادهم إنكار أصل هذا الكلام ، وأنه ليس من عند اللّه « 1 » . ثم ذكر اللّه تعالى سنته في الإضلال والهداية لمن كان من أهلهما ، فقال : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل من يريد بخذلانه عن إصابة الحق ، لسوء استعداده ، وتوجيه نفسه لمواقع الضلال والسوء ، ويهدي إلى الحق والإيمان من يريد ، بتوفيقه إلى الصواب ، فمثل إضلال أبي جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم ، يضل اللّه عن الهداية والإيمان أي يخزي ويعمي من أراد إضلاله ، ويهدي أي يرشد من أراد هدايته ، كإرشاد أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وليس معنى الإضلال والهداية أنه تعالى يجبر كل فريق على الضلالة والهدى ،

--> ( 1 ) البحر المحيط : 8 / 377